Wednesday, October 19, 2011

حيطان البرتقال


"بؤونة قلبه حجر"
قالتها وتركت الشيش نصف مغلق.

جدتى  ... لا تحب المطر .
وهى صغيرة سمعت شائعة ، وصدقتها .
أن المطر حين سقط أول مرة منذ زمن بعيد يقترب من عمرها نحت فى وجهها خطوط رفيعة ، أخذت تغور مع الوقت ،لتطبع وجهها بذلك السمت المميز للحزن ،
 كانت دائماً تقول أن وجهها يشبه شتاء حزين !

أما بالنسبة لى كان وجهها كوجه عجائز الحارة كلهم ، يذكرنى – بلونه البنى الغامق – بصيف هادئ .

لم يكن يتحدثن عن المطر قط ، لكن هذا العام فى أمسياتهن الطويلة التى ألهبها حر بؤونة أمام البيوت تبادلن الحديث الخافت عنه فى سرية كتبادلهن أنصاف السجائر فيما بينهن بعيداً عن الآذان والعيون.

لم يكن هذا موعد أى نوة ، لذلك بدت أحاديثهم عن النوة التى تأتى كل مائة عام بالنسبة لى كهذيان محموم عن أحدى خرافتهم التى لا تنتهى ، لكن هذه المرة بدت كأنها قدر محتوم .
فجأة انتهت الأحاديث حين بدأ المطر .

أول الأمر تفائل الناس بالمطر الذى لم يكن هذا موعده  ، وحين علت المياه وأغرقت بيوت العاهرات القريبة من الميناء ، ظنوا أنها أتت لتطهرنا من دنس نفوسنا الآثمة، وحزنت انا لأنى لن أرى بيوت البحر بشرفاتها الواسعة ونسائها الحزانى .
لكن عندما أقترب الشهر الثالث من نهايته ولم يتوقف المطر ، لم يبد ان هناك نهاية له .

فى الشوارع ، كانت قطع الأثاث وجثث الأطفال الطافية والمراكب الصغيرة التى جرفها الماء من الميناء القريب هى كل ما يشغل نهر الطريق . الترام الأصفر الذى كان يمر من الشارع الكبير ، أختفى وقيل أنه غرق. لم يبق من أهل الحارة غير العيون المترصدة للمجهول خلف نوافذ الخشب المتعفن والحيطان التى غطتها طحالب البحر.

وفى الصباحات الغائمة - عندما يكون المطر أخف – تخرج خيالات النساء المتسربلات بالسواد
تعبر الماء ، تصل لحدود الجبل العالى حيث الضريح .
تخرج كل منهن من طياتها ، شموع بلون ملابسهن ، وأرغفة خبز مبتلة ،  وتضرع خافت ، ودموع مخبأة فى المطر .
يضعنها عند شباك "الولى" ويرحلن بخوف من إجهاض الأمل .

وفى يوم ما بعد ستة أشهر من بداية المطر ، فتحت جدتى النافذة نصف المغلقة ، شمت رائحة الهواء ، مدت يدها المرتعشة للخارج ،
ولأول مرة توقف المطر.
جفت مياه الشوارع لتترك طبقة ملح رقيقة فوق الأرض .
حيطان الحارة ذات الطلاء الأصفر الجيرى ، أكتست بلون بنى غامق ، كلون وجوه الجدات الحزينة .

لم يبد أن أى منا لا حظ التغيير ، و لا ندرى متى ظهرت بالضبط الشجيرات الصغيرة التى نمت داخل الحيطان ، وعندما رأيناها بدت لنا – إلى حد ما - مألوفة كأنها هناك منذ الأزل ، فقط لم نكن نراها بوضوح .
كانت تبدو كرسوم دقيقة متقنة من سيقان وورق ، عندما نلمسها تجد الملمس الخشن المعتاد لحيطان حارتنا الرطبة ،إلا اننا حين نجلس أسفل منها لم تكن تجرؤ الشمس على المساس بنا داخل ظلها الممدود على الأرض .

ناس الحارة الذين عاشروا الجان والسحرة وتحدثوا إلى أشباح السفن الغارقة وقفوا مشدوهين أمام الثمار البرتقالية التى نمت من أغصان شجر الحيطان .
الأطفال - الذين كانوا أكثر جرأة – هم أول من قطف الثمار.

الناس الذين جوعتهم النوة أنطلقوا يجمعوا من البرتقال ما أستطاعوا ، وضعوا بعضه تحت شباك ضريح " الولى " والباقى لم يبق منه عند الليل شئ .
فى الصباح عادت الأشجار مثمرة كما كانت بالأمس ، كأن لم يأخذوا منها شيئاً.

قال البعض أن هذا جزاء صبرنا على البلاء ، وقال الآخرون أن هذا أختبار آخر من الله .
أما جدتى حين سألتها لم تجب بشئ.
فقط أغلقت نافذتها إلى الأبد.

أنتشر خبر الثمار الغريبة فى الحارات حولنا وانطلق الناس لينشروا بألسنتهم ما لم تصدقه العيون.
أتى إلى الحارة أناس لا يشبهوننا من بلاد لا نعلمها ، فقط ليروا حوائطنا المثمرة .
أصبح للحارة مريدين وأتباع وأقاموا فى العراء تحت ظل البرتقال.

مد كل واحد منطقة نفوذ فوق حيطان بيته ،
فى كل  صباح قبل أن يسير الضوء على أرض الحارة ، يجمع أصحاب البيوت الثمار التى نضجت منذ قليل ، بسرعة ، ويغلقون الأبواب .
وبقى من لا بيت له محروماً حتى من الظل الذى كان يجلس فيه.
حاول بعض منهم أن يبنى بيتاً فى أطراف الحارة ملتصق بالبيوت الأخرى ، لكن الجدران الجديدة خرجت لها ألوان أخرى باهتة غير لون حيطان النوة .
ولم تثمر.
كانوا يترقبون ظهور الثمرات الصغيرة ربما استطاعوا أن يسرقوها ، لكنها لم تكن تخرج حتى الفجر وعند استيقاظهم صباحاً لا يجدوها .
تعجبوا متى يجنيها أصحاب البيوت ، وتذكروا أنهم لم يروهم منذ شهور أيضاً .

جاء بؤونة جديد ، ولم يحمل معه نوة جديدة ،فقط القيظ الشديد المعتاد .

وفكر أولائك الآخرون الذين أعتادوا فقط النظر إلى الأشجار الممتدة بطول الحار ، أنه إذا لم يعطهم الرب مثل تلك الحيطان فذلك لأنهم أناس يعرفون الله حق معرفته ، ولا حاجة لهم فى لعنة زائلة كى يتقربوا منه أكثر.
وبعد قليل قرروا إزالة اللعنة .
وعندما أتى ليل ، خرجوا على البيوت وهدموها فوق رؤوس أصحابها الذين لم يخرج منهم صوت او أستغاثة .
ومع أول ضوء بحثوا داخل أحجار الجير وبين أنقاض البيوت ،ولم إلا قشور برتقال وسط جثث متعفنة ، تركتها أرواحها منذ زمن .
جائت شمس النهار قاسية ، مصرة على حرق كل شئ ، تسعى نحو رؤوس الذين جلسوا على الأطلال بين أشباح الموت ، ينتظرون لعنتهم المفقودة ،
فى شهر بؤونة ينتهى .


تمت.

Wednesday, August 17, 2011

الهم او اى اسم كئيب وخلاص



لم يعرف بيوت النهار قط، ينتظر حتى يختفى شفق الغروب الشاحب ليبدأ المسير ببطء
.
 الليل ستار " ... هكذا كان يقول" .

فى المساء تتحاذى البيوت بجوار جدران الليل ، تختفى بقع الحيطان  ،كل العطب ، كل السباب البذئ و كلام الحب المكتوب بخطوط خائفة ، مترددة .
تصبح البيوت كائن محايد تماما ، لايفلح حتى نور الأعمدة المصفر فى فضح ملامح وجهه.

فقط فى صباحات الشتاء الرمادية ، حيث يتوقف المطر الهارب من السحب حين يرى عيوب الأرض القريبة ،يخرج ليسير وسط عشش الصفيح التى تخنق الممرويصعد معه لأعلى تاركاً خلفه البيوت المطلية بالضباب .
لا صوت سوى للهواء يعوى بين قطع الصفيح الملتوية ، ولا لون للفجر بعد .
يخرج من ضيق العشش لبراح التلة ، يجلس قرب الحافة ويغالب خوفه من الأماكن المرتفعة ولا ينظر للأسفل

 "كل ما ياخدنى الهم اجيلك "
.
يبتلع الهواء برئتيه وينظر للمقام القريب.
يعلم ان الحجرة الصغيرة لاتحمل بين طياتها المعجزة ،ولاالكلام الموجه للمدفون بداخلها يجدى امام القدر ، إلا انه اعتاد ان بحكى له كلما احس بالضيق.

اليوم لم يستطع الكلام معه ،امسك بقطعة من الجير ومد يده للجدار
" مخنوق يامولانا "
 .رمى بالقطعة فى الفراغ الكائن اسفل منه ،تمدد على الأرض ، وانتظر الرد .

Saturday, March 26, 2011

على الأرض

على ارض شارعنا ...
بين بول البشر وروث الطيور ،
والقمامة .
بين خطوات البشر التائهة،
وفوق تراب الأرض الحزينة ،
اصبح لدينا بقعة دم .....
تشهد انه كانت لدينا ثورة.

Sunday, March 20, 2011

سير


خطوة بطيئة تلى اخرى ...
السقوط .. محتمل،
والدنيا .. لم تعتد الضوء.
العصا تهتز تحت وطئة حمل السنين المستند عليها
والهدف ... لا يعرفه اى من مكونات المشهد .
جوار الحوائط الداكنة .. بعيد عن ضوء الشارع الباهت
فكر الى اين ..؟!
توقف..
سقط .

Thursday, May 20, 2010

تصويرة 1


سكة حديد القبارى الى المينا

بورصة مينا البصل





مكابس القطن القديمة







Sunday, May 16, 2010

يحدث ليلاً

لم يكن لمحطة الترام مقعد ،
فجلست على السور الحجرى تنتظر ، بالقرب من بقعة الضؤ الوحيدة عند نهاية الكوبرى.
مسحت بيدها قبل ان تجلس بعبائتها السوداء ،
ابعدت الطفل الذى تحمله من فوق كتفها قليلاً ،لتعدل من وضع طرحتها باهتة اللون .

آخر ترام الى " المكس " لم يمر بعد ،
تنظر الى النحية التى سيأتى منها ، ولا ترى سوى فراغ الطريق فوق الكوبرى .

من الزقاق الضيق الموازى لترعة " المحمودية " ، خرج رجلان ،
وعبرا الطريق بسرعة إليها .
رأتهما فوضعت الطفل على الأرض جوارها .
يبتسم وجهها تدريجياً بأضطراب حين يقتربان .

احدهما اقترب منها وهمس فى اذنها ،
يده تحسست جسدها بهدؤ ،
الآخر يوجه لها بيديه اشارات إباحية ،
.ويضحك الثلاثة
. لا وحياة امك ..." ... تقولها بينما تدفعه برفق بعيداً عنها ، وتستمر فى الضحك بعصبية "
يتحسسها سريعاً مرة اخرى فبل ان يبتعد الأثنان،
تلتقط الطفل الذى ابتعد قليلاً ،
تنظر فى اتجاه الترام الذى لم يأت ،
تنظر فى اتجاه الذين ابتعدوا ،
تحتضن الطفل .... وتتوقف عن الضحك.




tadwina-43444507-tadwina